ارتبطت الموسيقى الكلاسيكية الغربية في أذهان الكثير منا بعدة صور رسمتها استخدامات هذه الموسيقى في سياقات عديدة، منها الفكاهي عندما اُستخدمت في الأفلام الكرتونية، ومنها الإعلامي الأقرب للملل عندما اُستخدمت في نشرات الأخبار، ومنها الدرامي الذي أثار فينا مشاعر الفرح والحزن حين تم استخدامها في مشاهد درامية رسَخت في ذاكرتنا وارتبطت بشكل وثيق بمشاعرنا في تلك اللحظة من الزمن. ورغم أن لهذه الاستخدامات فضل بيّن في تمهيد البدايات للتعرف على هذا الفن، إلا أن الموسيقى الكلاسيكية في أغلب هذه السياقات كانت في خلفية المشهد ولم تكن موضوعه، الأمر الذي جعل التعريف المعقول بهذا الفن وإبراز أوجه الجمال فيه ليس في المتناول. ولكن في المقابل، أثارت هذه الاستخدامات فضول الكثير منا للتعمق والتعرف على هذه الموسيقى والغوص في بحر فنونها.
قد نتساءل إن كانت للموسيقى الكلاسيكية الغربية أدواراً أخرى تتعدى هذه الاستخدامات التكميلية وتتعدى الصورة النمطية التي تشكلت (لأسباب ليس من المناسب الاسترسال في تفصيلها هنا) وجعلتنا ننظر إلى هذه الموسيقى على أنها موسيقى معقدة وقديمة ألفها ما يُقال أنهم عباقرة لأسباب قد لا تكون مفهومة للمستمع في هذا العصر. وقد نتساءل أيضاً لماذا مازالت أعمال المؤلفين الموسيقيين الكلاسيكيين الذين عاشوا قبل مئات السنين تُعزف إلى حد اليوم ومازال الإقبال على حضور الحفلات الموسيقية الكلاسيكية مزدهراً.
بالطبع ليست هناك إجابات جازمة تطفئ فضول التساؤل، لكن ذلك بالتأكيد لا يجب أن يثنينا عن المحاولة. لنبدأ من الموسيقى نفسها (أي الأصل)، ترتبط الموسيقى بالتاريخ الإنساني كله، وكل الثقافات -بلا استثناء- لها إرثها الموسيقي الذي تشكل على مر الزمن متكوناً من خصائص ومميزات كل ثقافة. والموسيقى -بالطبع- ليست محصورة على صوت الآلة الموسيقية فقط، بل هي أعم من هذا التصور بكثير. الموسيقى هي أي صوت يصدر من أي مصدر (سواء أكان من حنجرة الإنسان، أو من ترددات الهواء داخل الناي، أو من اهتزاز أوتار الكمان) مُصدراً أصواتاً منتظمة تتبع قواعد النظرية الموسيقية. من هنا نستطيع تصور قدم الموسيقى، فالموسيقى موجودة قبل اختراع الآلة الموسيقية، موجودة في الطبيعة منذ القدم، وقد اكتشفها الإنسان عند محاولته الغناء لأول مرة!
رافقت الموسيقى الإنسان في كل حالاته، في أحزانه وأفراحه، في سلمه وحربه، في لهوه وجده، وفي عبادته وابتهاله، ومازالت لليوم تفعل، مازالت لليوم من أقوى أدوات التأثير على السلوك الإنساني. وهذا هو الأصل الذي تفرعت منه كل الوجوه الموسيقية للثقافات. ومن هنا كذلك نتفرع للموسيقى الكلاسيكية الغربية.
مرت الموسيقى الكلاسيكية الغربية بالعديد من الحقب والمراحل التاريخية التي تطورت من خلالها في أوربا حتى وصلت إلى ما نعرفه عنها اليوم. في كل حقبة من هذه الحقب، كانت الموسيقى حينها انعكاساً على مدى التقدم الحضاري في تلك الفترة من التاريخ، ابتداءً من العصور الوسطى، مروراً بعصور النهضة والباروك والكلاسيك والرومانتيك، وانتهاءً بالعصر الحديث.
تلك الحقب المتتالية من التقدم الحضاري والموسيقي أوصل الموسيقى الكلاسيكية الغربية إلى مكانة فنية عالية ووهب لها قدرة هائلة على التعبير عن مختلف الحالات الإنسانية -بدون مساعدة اللغة بالضرورة- دعمها في ذلك إرث عريض في علم موالفة الأنغام (الهارموني) الأمر الذي أتاح لها الانطلاق إلى أبعاد جديدة خارج البعد اللحني المقامي الضيق نسبياً وفتح للموسيقى عالماً جديداً للتعبير الموسيقي لم يعهده العالم من قبل. وعلى صعيد الأصوات الموسيقية، فقد تميزت الموسيقى الكلاسيكية الغربية باختراع وتطوير طيف واسع من مختلف الآلات الموسيقية من آلات وترية وآلات نفخ نحاسية وخشبية وآلات إيقاعية. هذا التنوع الثري في كم ونوع هذه الآلات فتح حدود التعبير الصوتي للموسيقى الكلاسيكية وجعلها متقدمة كثيراً صوتياً حتى قبل اختراع مكبرات الصوت والآلات الموسيقية الإلكترونية ولا عجب أن نرى حفلات الموسيقى الكلاسيكية حتى يومنا هذا تُعزف بلا أي استخدام لمكبرات الصوت كون أن أصوات الآلات الموسيقية وتصميم القاعات الموسيقية جعل صوت الموسيقى الكلاسيكية لا يتحاج إلى مساعدة التقنية الكهربائية.
ساهم هذان الرافدان (الهارموني وثراء تنوع الآلات الموسيقية) في إعطاء المؤلفين الموسيقيين الغربيين مساحة كبيرة للإبداع مكنهم -على مر السنين- من إنتاج آلاف من الأعمال التي تناولت -موسيقياً- طيفاً واسعاً من الحالات الإنسانية رسمها المؤلفون بصور موسيقة غاية في الجمال مازالت تفتننا حتى اليوم ومازالت صورها الجمالية لينة غضة لم يطلها التقادم ولم يُفنها الزمن.
وإذا افترضنا سلامة الحياد واعتبار أن كل الإرث الموسيقي للثقافات المختلفة هي ملك لكل الإنسانية وليست حصراً على ثقافة محددة، فلا شك عندئذٍ أن الموسيقى الكلاسيكية الغربية هي فن رفيع (وليست منتجاً ترفيهياً) وهي كذلك، من أرفع الفنون التي استطاع الإنسان ابتداعها. من هذا المنطلق، قامت فكرة مدونة شذرات موسيقية لتكون رافداً للقارئ العربي للتعرف بشكل أقرب على فن الموسيقى الكلاسيكية الغربية باعتباره إرثاً إنسانياً مهماً جديراً بإثارة الفضول ابتداءً، ومحاولة استقصاء أوجه الجمال فيه انتهاءً.
ستتناول المدونة عدة مواضيع، منها عصور الموسيقى الكلاسيكية، وأعلام المؤلفين الموسيقيين، والقوالب الموسيقية وكذلك عيون الأعمال الموسيقية عبر تاريخ الموسيقى الكلاسيكية الغربية العريق. نأمل أن يجد القراء في هذه المدونة زاوية مضيئة للمعرفة ونافذة مفتوحة لتذوق أوجه مختلفة للجمال، فماهي الحياة بلا جمال، وماهي الحياة بلا فن؟!
زهير البركاتي
حلو أوي برافو👏👏👏 استمروا❤
إعجابإعجاب