سلسلة جولات باروكية

“إن الإيقاع واللحن يحاكيان الثورة والرقة، وكذلك الشجاعة والاعتدال وكل الصفات المضادة لهذه، وغيرها من صفات الشخصية، وهذه المحاكاة لا تكاد تختلف عن المشاعر الفعلية كما نعرفها في تجاربنا، إذ أن نفوسنا تتغير بسماعها لهذه الألحان”.
-أرسطو

إن موسيقى الباروك تتجاوز كونها ترفًا جماليًا، بل إنها تعلو لتصبح إيقاعًا ذاتيًا يمثل أعمق حالات النفس. ومن المفارقات أن “الباروك” في البداية يقصد بها إهانة إذ أنها مشتقة من الكلمة البرتغالية “Barroco” والتي تعني اللؤلؤة الممسوخة.

قوبلت ثورة الباروك بازدراء على الرغم من التطور الأدبي الذي تحمله في المفاهيم على المستوى الموسيقي والشعري وحتى المسرحي وقد عورضت؛ لاستعمالها تقنيات جديدة ونظريات غريبة على المتلقي آنذاك.

 العجيب أن تلك النظريات اعتمدت في البداية على آراء أفلاطون الموسيقية ولم تُهمل سياق الخطاب الشعري في المسرحيات اليونانية والرومانية، وتبنوا عادات غناء كلا المدرستين الموسيقية، ويؤكد صاحب أول أوبرا في تاريخ الموسيقى جاكوبو بيري “Jacopo Peri” : […هذا الأسلوب هو الوحيد الذي قدمته لنا موسيقانا الحديثة التي تناسب الخطاب] كانت الموسيقى خاضعة لقواعد صارمة، وسيطرة يصعب فيها تقبل هذه الموجة من التغيير؛ إذ أنها تعبر بسلاسة عن عواطف، وحالات إنسانية تعد إحدى الركائز في ذلك الزمن.

تنقسم فترة الباروك إلى ثلاث مراحل رئيسة: مبكرة، متوسطة، ومتأخرة، وعلى الرغم من أنها حقبة ممتدة لكنها مختلفة؛ ففي كل مرحلة تظهر تيارات ومذاهب موسيقية، وهي تؤرخ بحسب الانتقالات: من 1580 إلى 1630، ومن 1630 إلى 1680، ومن 1680 إلى 1730 حتى انتهاء الفترة في 1750.

تتميز خصائص الباروك بالتالي:

  • وحدة المزاج، أي: قطعة تعبر بشكل أساسي عن شيء محدد (ما هو سعيد سيستمر حتى النهاية والعكس).
  • الإيقاع واللحن المستمر.
  • الديناميكيات :Dynamics يميل حجم الصوت بشكل خاص هنا إلى البقاء ثابتًا لفترة زمنية معنية. التدرج الديناميكي سمة مميزة في موسيقى الباروك نلاحظ التحول المفاجئ في مستوى الديناميكيات، وغالبًا ما تنطبق على الهاربسكورد (صوت عالٍ يليهِ صوت ناعم).   
  • البنية التأليفية: في الغالب يظهر لحن صوتي متعدد يبدو أحيانًا أقل من الطابع الهوموفوني.
  • الأوتار وBasso Continuo: يصبح التطور الوتري بارزًا بمرافقة الهاربسكورد والأورغن وآلات لحنية منخفضة Violoncello, Bassoon””.
  • النص والموسيقى – الرسم بالنص الشعري – التفسير الموسيقي لصورة شعرية محددة، على سبيل المثال: تصاعد النوت لكلمة “Heaven”. 1

لا أنوي البدء كما هو شائع في كتابة مداخل الباروك، بل سأعمد إلى اختيار أعمال محورية، وملهمة لبعض المؤلفين؛ لأهمية معرفة من كان لهم فضل في تطور الأسلوب الباروكي.

سويلينك الهولندي (Jan Sweelinck)

Digital Capture

إحدى الشخصيات الباروكية المؤثرة في موسيقى الأورغن قبل باخ، يلقب بأورفيوس أمستردام، امتد عمله من نهاية عصر النهضة حتى بداية الباروك، أضاف سويلينك بنية متوازنة، وأكثر وضوحًا وإيجازًا في تطور المفهوم الموسيقي. ورغبة في الخروج عن السائد اعتمد في تنويعاته “Variations” على الإيقاعات الشعبية الأوروبية، ودمج بين الأسلوب الباروكي الفرنسي والهولندي. تأثر بالمدرسة الفينيسية للأورغن والتي كانت حاضرة قبل الباروك.

تعتبر فانتازيا سويلينك من أوائل حالات الأورغن فيوج التي تخضع لموضوع واحد قابل للتغيير، وتبديل الإيقاع واقترانه مع أنماط موسيقية مختلفة.

هاهنا بعض أعماله:

عمل صوتي رائع من المزمور الثالث والثلاثون

“اهتفوا أيها الصديقون بالرب، بالمستقيمين يليق التسبيح

احمدوا الرب بالعود، بربابة ذات عشر أوتار رنموا له

غنوا له أغنية جديدة، أحسنوا العزف بهتاف”

في الألبوم أتقن دانيال رويس اظهار قيمة أعمال سويلينك الصوتية للمزامير والفانتازيا التي تتم بالتناوب بأصوات نسائية ورجالية تصحبها الترانيم المقدسة على آلتي الأورغن والعود.

تعتبر هذه الفانتازيا ذروة أعمال سويلينك الموسيقية ونجد نوع مبكر من أشكال الفيوج Ricercare   وهي قطعة موسيقية من عصر النهضة والباروك معدة للنوتات الطويلة ومخصصة للآلات الوترية العود والمفاتيح الأورغن يتم فيها تقديم المواضيع الموسيقية بشكل منمق أكثر كما تظهر لنا في هذه القطعة الرائعة.

نلحظ هنا أن الترميز الموسيقي مختلف عن المتعارف عليه، ويعود هذا النمط إلى بداية القرن الحادي عشر الذي يعني بالمقطع Ut المقطع Do.

من المعروف أن البافانا رقصة بطيئة إنما من غير المرجح أنها لذات الاستخدام في عمل سويلنيك.

إن سويلينك اقتبس النمط اللحني من عمل دولاند Flow my tears إنما ما يجعل بافانا لاكرمي تعود لسيلنك تنوع التكرار غير المباشرة، مع الفرادة وتماسك اللحن.

سويلنيك ودولاند يشتركان في موضوع واحد وهو “الدموع”، وبذلك بحسب تفسيرات الموسيقيين لكلا العملين.

الإيطالي جاكومو كاريسمي (Giacomo Carissimi)

أهم ملحن في روما، يلقب بوالد الأوراتوريو، وهو مؤسس الموتيت ومطور الكانتاتا، كان تأثير المدرسة الرومانية باديًا على موسيقاه فبرع في استخدام الأساليب الرومانية والكاثوليكية بشكل لم يجعلها نافرة أومعقدة.

وصل تأثير موسيقاه إلى شمال أوروبا عن طريق تلاميذه داخل إيطاليا ممن تبنوا مذهبه، مثل: Alessandro Scarlatti، وخارجها في ألمانيا Johann Kaspar Kerll، وفرنسا Marc-Antoine Charpentier .

بعض من أعماله:

 أشهر أعمال كارسيمي الدينية على الرغم من أنها درامية إلا أنها تخلو من العرض المسرحي ومشاهده وحتى أزيائه؛ لكونها في الأصل موضوع ديني بحت.

يستند العمل إلى القصة التوراتية (يفتاح الجلعادي) من سفر القضاة، تبدأ الفصول من الفصل العاشر إلى الثاني عشر من العهد القديم، عن نذر (يفتاح) للرب أنه إذا انتصر على (عمون) فإنه سيضحي بأول كائن حي يستقبله عند عودته فلم ير أحدًا سوى ابنته الوحيدة تستقبله، فيخبرها يفتاح عن نذره لتقدم ذبيحة وتصعد محرقة للرب.

تركز الأوراتريو على الدراما الإنسانية التي رافقت هذا المشهد وعلى التحولات العاطفية من رقصة النصر الأولى للابنة حتى الرثاء الأخير على مصيرها. وهو عمل غني يظهر فيه كارسيمي قوة الكورال وله الفضل في جعله بارزًا في أعمال الأوراتريو.

هناك فروق واضحة في أوراتريو كارسيمي عن أوراتريو باخ وهاندل على سبيل المثال (المسيح). ولو أن هاندل تأثر بهذه الأوراتريو بشكل خاص في عمله الديني (شمشون).

أغنية madrigal لصوتين، أحد قواعد هذا المصطلح المهمة: التعبير عن العواطف وابرازها قوة النص الشعري والموسيقي من أجل خلق التوازن بينهما، وقد أظهرها كارسيمي ببراعة وخفة نجد هذا التنوع في المواقف التعبيرية في الأغنية، وتأثره الشديد بأسلوب مونتفردي “العاطفي” وهذا الذي يميز أسلوب كارسيمي.

 مجموعة أعمال رائعة تكشف روعة أساليب كارسيمي ومرونة موسيقاه الصوتية يعرف بأنه أعظم مؤلفي المدرسة الباروكية اليونانية؛ لكونه أتقن استخدام الكورال على الطريقة اليونانية القديمة وكذلك له الفضل في إنشائه لأوارتريو لاتينية.

الألماني هاينريش شوتز (Heinrich Schütz)

كان شوتز شخصية محورية في تطوير الموسيقى البروتستانتية اللوثرية، تتلمذ على يد المؤلف جيوفاني غابريلي (Giovanni Gabrieli) مدة ثلاث سنوات في مدينة البندقية، ثم نقل الأساليب الإيطالية إلى ألمانيا واستجلب المفاهيم اليونانية التي تتعلق بـأعمال الأوراتاريو ووضعها في خط واحد مع اللاهوت اللوثري.

وقد لقب “أبو الموسيقى الحديثة” ويقصد بالحديثة؛ أي الموسيقى الإيطالية.

شوتز أول من نشر أساليب الموسيقى الإيطالية والتي لاقت قبولًا واسعًا في ألمانيا، وقد تأثر بمونتفردي بشكل خاص، وبالتعبيرات الصوتية الإيطالية.

لم يكن اهتمام شوتز منصبًا على إظهار التعبير الموسيقي، بل كان يجمع بين النصوص الشعرية و موسيقاه، ذلك الاهتمام بدأ من عام (1533) والذي كان معروفًا في شمال ألمانيا لدى المجموعة اللوثرية  (Musica Poetica) التي كانت تعتمد على مبادئ ثلاثة:

  1. ما يراه اللوثريين الطبيعة الإلهية في الموسيقى.
  2. مفهوم العواطف.
  3. تطوير الخطاب بلاغيًا.

ذكر المؤلف الألماني johann mattheson أنه على الألمان أن يشكروا شوتز وذلك لأنهم بلغوا مرتبة عالية تنافس المستوى الإيطالي.

بعض من أعماله:

أوائل مؤلفات شوتز كانت مجموعة من مزامير داود مخصصة لراعية الساكسوني يوهان جورج الأول.

نستمع في هذا العمل من المزمور المئة والخمسين إلى قوة موسيقى شوتز الكورالية، وعظمة التأثير الفينسي الإيطالي الكاثوليكي على الكنيسة البروتستانتية الألمانية.

ترنيمة آلام لوثرية تحتوي على سبع مقاطع متعلقة بأقوال يسوع على الصليب.

يصور فيه شوتز معاناة يسوع بشكل درامي يخدم فيه المشهد، نجده مهتمًا بالسردية وبجعل النص ملائمًا مع الموسيقى والحدث فيعطي براعة تعبيرية غير متكلفة، ووفقًا للاهوت اللوثري كان الهدف من تحريك مشاعر المتلقي القصة الدينية هو خلق تأثير يرتبط به شخصيًا.

إن التباين الصوتي العاطفي الذي تميزت به النصوص والذي نجده في كلمات يسوع التي تغنى برتم وصوت واحد، إنما الصوت الإنجيلي (الراوي) بنغمات متغيرة.

أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا، وكل من كان حيًا وآمن فلن يموت إلى الأبد، أتؤمنين بهذا؟”.

 إنجيل يوحنا (25:11)

 في هذا العمل وهو القداس الجنائزي لصديق شوتز الأمير هاينريش ريوس نلحظ اختلافًا وهو أن الأمير قد أعد هذه النصوص ورتب جميع تفاصيل جنازته مسبقًا، وهذا عمل يعكس الصداقة العميقة بينهما.

ما يزال المخطوط الأولي لكتابة النصوص محفوظًا، وكذلك الشكل النهائي للتابوت فهو عمل فريد مقسم إلى ثلاث أجزاء كل جزء يضم مجموعة آيات من العهد القديم، والأناجيل والكوارليات اللوثرية.

مادة شوتز الموسيقية بسيطة وتناغمها عبقري ولا تعكس إلا السلام والطمأنينة وهذه الإضافات لاهوتية بامتياز.

الإنجليزي جون دولاند (Johan Dowland)

 عازف عود بارز، ومؤلف أغانٍ أجاد إظهار جمالية العود الباروكي معتمدًا على نصوصه الشعرية، وقد كان للأساليب الإيطالية تأثيرها على أغلب المدارس الموسيقية، وهذا ما نلمسه في معظم أعمال المؤلفين في ذلك الوقت.  

للأسف لم يجد التقدير الكافي في إنجلترا وقد تحدث دولاند عن التقدير والترحيب الإيطالي لموسيقاه وأغانيه الذي لم يره في موطنه، لا يُعرف الكثير عن دولاند لكن موسيقاه تحكي الكثير.

هنا بعض من أعماله:

عمل صوتي مؤثر يذكرنا بعمل سويلينك بافانا لاكرمي وذات الموضوع المشترك “الدموع” على الرغم من أن العمل بافانا ليس مخصصًا للرقص.

تعطينا أغلب أعمال دولاند فكرة عن رهافة حسة العالية وكذلك الطابع الحزين الذي يتسم به.

نشرت هذه القطعة في كتابه A Pilgrimes Solace (1612) and three songs from A musicall Banquet وهي أحد أشهر أعماله المتفقة مع موسيقى العود الإيطالية، ومن الجدير بالملاحظة أن ذروة إنتاجه تزامنت مع ازدهار موسيقى العود في إنجلترا.

أحببت أن اختار عملاً صوتيًا مبهجًا قليلاً ويعكس الأجواء الغناء في تلك الحقبة، فدولاند غالبًا ما يركز على جودة الأصوات لتتلائم أكثر مع العود.  نشر هذا العمل في كتابه The First Book of Songes or Ayres (1597) وقد حقق نجاحًا واسعًا في إنجلترا وخارجها.

النمساوي هاينريش بيبر (Heinrich Biber)

موسيقي غير تقليدي، أظهر تكنيكات جديدة وخطًا لحنيًا خاصًا به، كتب مؤلفات مهمة حول الكمان، وشهرته في السوناتات قد تفوقت وتجاوزت الأسلوب الإيطالي للكمان، بالإضافة إلى أنه معروف ببراعة موسيقاه الكنسية.

بعض من أعماله:

عمل يتميز بتقنيات غير مألوفة وإبداع في إظهار موسيقى الأوتار.

Battalia تترجم إلى معركة وتمثل جيشين يتقاتلان، قسم العمل إلى ثمانية حركات قصيرة وهي بحسب الترتيب:

  • sonata
  • the profligate society of common humor
  • allgero
  • the march
  • persto
  • aria
  • the battle
  • the lament of the wounded

نلحظ تباينًا لونيًا فريدًا في كلا المشاهد، وكأنه أعاد لنا تشكيل ما انعكس عليه من تأثيرات الحرب.

سوناتات الغموض مجموعة من 15 سوناتا منفردة للكمان على الرغم من أن بيبر له حركة 16 من نفس السلسلة إلا أنه لم يشر إليها، من الممكن أن يكون سبب اهمالها هو أن تلك السوناتات لم تنشر إلا بعد وفاته والمخطوط الوحيد لها لم تكن معنونة وكذلك موضوعها المنفصل عن الأسرار التوراتية.

يشير مصطلح الغموض إلى معنى ديني بحت وبحسب الإيمان الكاثوليكي الروماني هناك عشرون سرًا يتعلق بالعذراء ويسوع.

هناك تباين ملحوظ في أسلوب السوناتات وفي بنية اعمالها المنفردة وكذلك في الأعمال ذات الحركات المتعددة.

الحركة الأخيرة 16 الملاك الحارس، يصور بيبر ملاكًا حارسًا يقود صبيًا. تتميز السوناتا رغم صعوبتها على ضبطها الفريد وتماسك الخط اللحني مع قوة تعبير بديعة.

نكتفي بهذا القدر من هذه السلسلة، وأرجو أن يكون لدينا متسعًا للتجوال في إبداعات مؤلفي الباروك.

كتبته: مريم عيسى

____________________
الهامش:
1-Mclntyre, Dean B. Baroque and classical style in selected organ works of the Bachschule, 1998.

أضف تعليق