
لم يدرك بيوتر إليش تشايكوفسكي – وهو أحد أهم محركي موسيقى السمفونية في عهد روسيا الرومانسي – أن تحفته الأوبرالية، إيفجيني أونيجن، سوف تصبح في يوم ما إحدى الأوبرات الروسية القليلة التي تحتل مكانة ثابتة ضمن عروض دور الأوبرا الغربية وهو الذي توقع لها الإنطواء خجلاً خلف أعمال عصره التي تميزت بضخامة الإنتاج والزخم الدرامي المتسارع والغارق تحت تأثير الأدوات المسرحية. في حين أدرك تشايكوفسكي أن خير تمثيل لفكرته تكمن في الاقتداء بأسلوب أكثر بساطة وعفوية، الأمر الذي كان متوافقا أكثر مع رؤية أليكساندر بوشكن، صانع الرواية الشعرية ذات القافية التي أخذت اسمه. حينها قرر الإبقاء على خطه السردي المتمهل، لإعطاء الشخصيات فسحة للنماء والنضج داخل مساحات من التأمل الذاتي، المشبع بتأويلات فلسفية وسيكولوجية، والتي لا تنفك أن تضع إنسان بوشكن في مواجهات مصيرية مع ذاته والآخرين. هو عمل يتغذى على التناقضات، حيث يشمل الإطار المكاني أقاصي الريف المنشدة لأغاني الفلاحين البسطاء ضد خلفية سانت بطرسبورج المتألقة بحفلات النبلاء الراقصة على ألحان البولونيز. الشخصيات هنا أيضاً تتغذى على بعضها البعض، وكأنها تنجذب لاشعوريا نحو تلك السمات التي تفتقر إليها، لتشكل صدامات غالبا ما تكون هي المحرك الأساسي للحبكة عوضا عن محركات مفروضة بأياد خارجية. موسيقى تشايكوفسكي تحمل كل تلك الهموم على عاتقها، لترسم عوالم موسيقية تضج بثراء من الألوان والطبقات التي لا تنفك أن تكشف عن المزيد عند كل جلسة استماع.

اعتزمت أن أكتب هذا المقال كقطعة نقدية لإحدى التسجيلات الشهيرة لأوبرا تشايكوفسكي، والذي على الرغم من قدمه (يعود الى منتصف الخمسينات) إلا أنه لا يزال التسجيل الأول وسط عشرات المحاولات المستجدة التي لم تقرب الوصول إلى نخبوية مستواه. يغني دور الشاعر لينسكي المغني السوفييتي سيرجي ليميشيف (وهو الدور الذي لطالما تعاطف معه تشايكوفسكي شخصياً). في أول مدخل غنائي للأوبرا تنشدان بطلتا العمل مقطعاً من قصيدة ألفها بوشكن في شبابه، عن موسيقي رجل هائم في أراض بعيدة، لا يترك خلفه إلا صوت نايه الحزين ليستثير بسحرها عطف سامعيه، في رمزية قد تبدو لأول وهلة وكأنها تشير إلى لينسكي، شاعر بوشكن العاطفي ذي نزعة الشقاء المتأصلة، إلا أن إبتسامة تشايكوفسكي الخفية تلمح لنا أن ذلك الموسيقي ليس إلا تجسداً رمزياً له ولإنسانيته الغارقة في توقعات حياة لم تتحقق له. يقدم لنا ليميشيف قراءة لا تبتعد كثيرا عن هذا الطابع، فصوته يحمل كماً هائلا من القدرة التلقائية في الغناء التعبيري، مع تحكم دقيق بكل الأوجه التقنية في الإخراج بلا أي جهد يذكر، حتى يخيل للسامع وكأن صوته لا مصدر له ولا منفذ. كما يملك نبرة احتار في وصفها النقاد، تشي بشئ من الانكسار الدفين، الأمر الذي قد يلقي بظلال شفيفة حتى على أكثر المواقف براءة ومدعاة للبهجة مثل لقائه مع حبيبته أولغا في الآريوسو القصيرة “كم أنا سعيد”، ليصبغها بأبعاد قد لم تخطر على المؤلف إمكانية التطرق إليها. وفي تلك المواجهة الحامية بين لينسكي وأونيجن – حين يقرر أونيجن مغازلة أولغا كمقلب انتقامي – يأتي صوت ليميشيف ثقيلا، مشبعا بالخيبة والرجاء الأسي، ليتصاعد بحذر وتوانٍ ليشحن الأجواء حتى يبلغ سقف غضبه الوجداني. قيل عن ليميشيف أن له قدرة على حقن طبقات صوته العليا بنفس الامتلاء والبراعة التي يضفيها على صياغته التعبيرية، وهو أمر نادر الحدوث فعلا لدى طبقة التينور التعبيري.
بعد بداية موسيقية منذرة بالشؤم، تحملنا ألحان تشايكوفسكي نحو ما يعتبره متذوقو الفن أحد أكثر المقاطع شاعرية في أرشيف الأوبرا العالمي. شخصيا لا أتذكر عدد المرات التي سمعت فيها هذه الآريا، ومن حفنة من النخب الأوبرالية السابقة والحاضرة، لكني لم أستشعر أبدا جمالا تفوق نشوته ما يستثيره لدي ليميشيف، الذي يبدو صوته وكأنما يتلاشى برفق من فراغ اللاوجودية إلى الحاضر بانسياب لا دور له فيه، كي ينحت بأدواته المتناهية في الدقة شجنا تعبيريا ساحقا لا يخفف من حدته إلا السهولة المفرطة في الإلقاء، والذي لا ينفك أن يغلف الفضاء الموسيقي بغطاء شفيف شاعري ويرسخ لإحساس بالمحتم القريب. أحد المقاطع التي لا أعتقد أنها تأخذ كفايتها من التقدير هي آريا الثنائي أونيجن ولينسكي، حين تأتي أفكارهما كتبادلات متعاقبة من العتاب الذي لا يسمعه الآخر، والذي يظهر الفرق الطبقي بين صوت التينور والباريتون بعبقرية مذهلة. حينها تدخل الموسيقى زوبعة من التكرار الدائري المتصاعد حتى انفجار الطلقة النارية. تستطيع الأذن التي ألفت موسيقى تشايكوفسكي هنا أن تتعرف على الشبه اللحني بين هذه الزوبعة وتلك التي نسمعها في الحركة الأخيرة من بحيرة البجع، قبيل موت أوديت، أو ملكة البجع.
تاتيانا، تلك الفتاة التي أطلقت الشرارة الملهمة الأولى في قلب تشايكوفسكي. نتعرف عليها لأول مرة خلف همسات الكمان المتضرعة في إفتتاحية الأوبرا، يبدو لنا وكأن هذه الألحان ترافقنا كظلال تتربص بكل الأنحاء، نجد أيضاً أن هناك نوعا من الترابط بينها وبين تلك التي تنشد خلف صوت لينسكي، لعل المؤلف يخبرنا أن مصير الإثنين متقارب وإن اختلف القالب الشكلي. نسمعها هنا من حنجرة السوبرانو القديرة جالينا فيشنيفسكايا. تحتل هذه النجمة مكانة بارزة ضمن نخبة النتاج الروسي على مدار تاريخ أوبرالي طويل. هي تمتلك صوتا ذي تركيبة كثيفة مع قدرة استثنائية حقا على تلوين كافة الطبقات – وخاصة العليا منها – بصبغة من الثراء الجمالي العميق، يستطيع السامع من خلالها استشعار روح تاتيانا التي تتجلى عبر مراحل نضجها المختلفة. فهي الفتاة الحالمة ذات الصوت التأملي الهادئ في مطلع الأوبرا، إلى أن تصل ذروة الإلهام العاشق في آريا “الرسالة” الشهير – حين تقرر الاعتراف بإعجابها في رسالة إلى أونيجن – هنا يصل صوتها إلى أوجه الذهبي، في قابليته على تمثيل العبارات بقناعة تبدو وكأنها متأصلة بداخلها. هي ذاتها القناعة التي تنقلها إلينا في مواجهتها الأخيرة مع أونيجن، لكن هنا بمزيج من النضج العاطفي والاحتواء الذي يخفي في باطنه صيحة من الإحساس بالواقع المؤلم، الذي لا ينفك أن يذكر بكلمات الأم في المقدمة ”إن الله قد أرسل إلينا بالعادة التي تحل مكان الشغف”، لتنهي بذلك وهي لا تدري مصير إبنتها في ذات الكفن الذي غلف جسد لينسكي، وإن كان كفنا مجازيا بالطبع.
عندما استمعت إلى إيفجيني بيلوف وهو يغني دور أونيجن لأول مرة، لم أكن مقتنعة بأدائه، لكن مع الاستماع المتكرر أدركت أن تلك الخصائص التي أنكرتها قد تجد تأويلا في قلب الشخصية المعقدة. فمن ناحية يمتلك صوت بيلوف ذلك النوع من الجاذبية التي تملأ الفراغ بثقل لا شعوري، إلا أن الانطباع غير المكترث الذي يوحي بالانفصال عن الواقع والأصوات المرافقة قد يعيق المستمع من التعاطف معه، حتى إن كانت قراءته تضرب في صميم تشريح الشخصية النفسي. المثير حقاً هو ذلك الدفء الذي ألمح به صوته فجأة في الحركة الثالثة، وبعد مقابلته لتاتيانا – حين يقرر خطب ودها هذه المرة – ليتدفق صوته بالحرارة اللازمة لإنهاء الأوبرا بالأسلوب الدرامي المناسب. الأمر الكافي لإثراء دوره بالتناقضات اللازمة للقول أن معالجته مثيرة للاهتمام، إلا أنها ليست الأفضل.
دور الأمير غريمين – زوج تاتيانا المسن – محدود بآريا واحدة “الحب لا يحترم السن” في الحركة الأخيرة، إلا أن تلك الدقائق الخمس تعتبر من أرق القصائد التي خصصت لمغني الباس. يؤديها الباس المتمرس إيفان بيتروف بصوت عميق يشع محبة وإقبالا على الحياة. في المقابل لم أقتنع بأداء الكونترالتو لاريسا افدييفا، في دور أولغا، فوقع صوتها جاء ثقيلا جداً بما لا يتناسب مع حيوية الدور. مع أداء نخبوي بدرجة عالية من التمكن من فالنتينا بيتروفنا وإيفجينيا فيربيتسكايا في دور الأم والمربية فيليبيفنا. وأداء جيد من أندري سوكولوف في دور المدرس الفرنسي ذي الغناء الناشر المتعمد – على الرغم أنه لم يكن مؤلما بالدرجة الكافية – إلا أنها المرة الأولى التي لا أشعر فيها برغبة عارمة في الانتقال إلى المقطع التالي.
الجدير بالذكر أن النجم الخفي في العرض هو أوركسترا البولشوي، هنا بقيادة المايسترو بوريس خايكن، في أداء راقٍ ترجم تشايكوفسكي بعناية تخللت التدرجات الشفيفة للظلال والألوان التي تزخر بها هذه الموسيقى، كما رافق كورس البولشوي – الذي تفوق أداؤه هنا على نظرائه من نفس الحقبة – ليضفي على أغاني الفولكلور الشعبي والمقاطع التي رافقت الأصوات المفردة وهجا قويا ينتقل إلى الآذان بوضوح عبر التسجيل العالي الجودة، ولكن كل ذلك هو أمر اعتيادي بالنسبة إلى هذه الدار العريقة،
فأنت لا تتوقع أن تجد أفضل من الروس لعزف الموسيقى التي تجري في عروقهم، أليس كذلك؟
@Rola00001